التجدد، الحياة، الموت، مفردات حضارية مجسدة في “الشمس الأبدية” بالمتحف الكبير


في إطار احتفالات المتحف المصري الكبير بالذكرى السنوية الأولى لافتتاحه اليوم يطلق المتحف تجربة ضوئية غامرة بعنوان «الشمس الأبدية» كأولى الفعاليات ضمن برنامج احتفالاته الممتد حتى نهاية العام، والذي يتضمن مجموعة متنوعة من الأنشطة الثقافية والفنية والمجتمعية مستلهمًا دورات الطبيعة المتجددة مثل شروق الشمس وغروبها وفيضان النيل ومواسم الحصاد، في معالجة فنية تعكس ارتباط المصري القديم بالطبيعة ومفهوم التجدد والاستمرارية في الحضارة المصرية ورؤية المصريين القدماء للكون والحياة والموت


وفى ضوء هذا يرصد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملِة الدفاع عن الحضارة المصرية فكرة التجدد الدوري والبعث المستمر المرتبط بماعت إلهة الحق والعدل والنظام الكوني ارتباطًا أساسيًا طبقًا لاعتقاد المصريون القدماء أن الكون يسير في دورات منتظمة تعيد تجديد نفسها.


تمثلت هذه الدورات في ثلاثة مظاهر رئيسية، دورة الشمس اليومية (رحلة رع) قصة مقدسة للصراع بين النور والظلام والحياة والموت والبعث المتجدد، وتتكون هذه الرحلة اليومية من مرحلتين رئيسيتين: رحلة النهار في السماء حيث تأخذ الشمس (الإله رع) عدة أسماء ومظاهر حسب مرحلتها، خبري في الشروق ويرمز للبعث وبداية الحياة الجديدة، رع في فترة الظهر وهو في ذروة قوته وسطوعه، أتوم عند الغروب ويرمز للنهاية المؤقتة والانتقال.


ويبحر “رع” في النهار على متن مركب شمسي يُدعى “ماندجت ” ليعبر السماء ويمنح الأرض النور والدفئ والنظام الكوني المعروف باسم “ماعت”، وهناك رحلة الليل في العالم التحتي “دوات” حيث ينتقل رع عند غروب الشمس واختفائها خلف الأفق ويهبط “رع” إلى العالم السفلي الذي يُقسم إلى 12 بوابة تمثل 12 ساعة من ساعات الليل (من الخامسة مساءً وحتى الخامسة صباحًا)،

وخلال هذه الرحلة الليلية يواجه “رع” أخطارًا كثيرة وقوى الفوضى وأبرزها الثعبان العملاق “أبوفيس ” الذي يحاول ابتلاع المركب الشمسي وإيقاف الشمس عن الشروق ويساعده في هذه المعركة بعض الآلهة مثل الإله “ست” الذي يقف على مقدمة المركب لردع الأفعى، مع نهاية الساعة الثانية عشرة واجتياز العالم السفلي يولد “رع” من جديد مع فجر يوم جديد لتتكرر الدورة الأبدية التي تضمن استمرار الحياة على الأرض


ويضيف الدكتور ريحان أن الشمس كانت هي المحرك الأساسي لمفهوم الزمن والتجدد حيث كان شروق الشمس يمثل الولادة الجديدة والبعث بينما يمثل غروبها الموت ودخول العالم السفلي، وأن رحلة الشمس الليلية وانتصارها على قوى الفوضى (أبيب) كل صباح كانت تضمن استمرار الكون.


وكان نهر النيل يفيض بانتظام مرة كل عام حاملاً معه الطمي الأسود الخصيب الذي يجدد الحياة في التربة الجافة وارتبط الفيضان بالرب حابي (رب الفيضان) والرب أوزيريس (رمز الخصوبة والبعث) وكان الفيضان يمثل عودة الحياة بعد الموت الزمني للأرض، وارتبط ذلك بالفصول الزراعية الثلاثة، فقد قسّم المصري القديم السنة الإدارية والزراعية إلى ثلاثة فصول رئيسية تتوافق تمامًا مع دورة الطبيعة المتجددة


“آخت” فصل الفيضان من منتصف يوليو إلى منتصف نوفمبر حين تغمر المياه الأرض وهي فترة الراحة والاستعداد لبدء دورة حياة جديدة، “برت” فصل الإنبات من منتصف نوفمبر إلى منتصف مارس تراجع المياه وبدء بذر البذور وخروج الزرع واخضرار الأرض، “شمو” فصل الحصاد من منتصف مارس إلى منتصف يوليو وهو فصل نضج المحاصيل وجنيها ثم تجف الأرض بانتظار الفيضان التالي.


تكاملت هذه الدورات الطبيعية لتصيغ الفكر المصري القديم الذي نظر إلى الموت كخطوة انتقالية تتبعها دائمًا ولادة جديدة تمامًا كالشمس الأبدية التي تشرق بعد غياب والأرض التي تخضر بعد جفاف.


ونوه الدكتور ريحان إلى رؤية المصريين القدماء للكون والحياة والموت في تجربة “الشمس الأبدية” باعتبارها منظومة فلسفية ودينية متكاملة محورها الأساسي هو الصراع بين النظام والفوضى، والسعي نحو الخلود والتجدد، فقد اعتقد المصريون القدماء أن الكون بدأ من محيط أزلي عارم من الفوضى والظلام يسمى “نون” ومن وسط هذه المياه انبثق الإله الأول مثل “آتوم” في نظرية هليوبوليس فوق تلة أزلية ليبدأ خلق عناصر الطبيعة والكون.


وقسّموا عالمهم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، السماء تمثلها المعبودة “نوت، والأرض التي يعيش عليها البشر، والعالم السفلي وهو المكان الذي تعبر فيه الشمس كل ليلة لتعود من جديد في الشروق


ومثلت “ماعت” بالنسبة لهم الحق والعدل والنظام والانسجام الكوني وكان على الملك والشعب الحفاظ على “ماعت” لضمان استقرار الكون وعدم عودته للفوضى.


ومثلت الحياة الدنيا بالنسبة لهم امتداد لا انفصال، فلم تكن الحياة عندهم مرحلة منفصلة بل هي تمهيد للوجود الأبدي، واتخذوا من رمز “عنخ” علامة مقدسة تمثل مفتاح الحياة الأبدية والقوة ويرمز إلى اتحاد السماء والأرض واستمرارية الوجود، وكان تقديسهم للطبيعة كفيضان النيل أو الشمس نابعًا من إيمانهم بأن كل شيء يسير وفق ترتيب إلهي دقيق.


والموت عند المصرى القديم ليس نهاية بل بداية جديدة وجسر للعبور إلى الحياة الأبدية وقسّموا الروح إلى عناصر، “كا” قوة الحياة أو القرين التي تفارق الجسد عند الموت ولكنها تحتاج إلى الطعام والشراب والقرابين لتستمر في البقاء، “با” الروح المتحركة التي تملك القدرة على مغادرة المقبرة والتحليق ثم العودة إلى الجسد ليلاً، وحرصوا على تحنيط الجثامين وبناء الأهرامات والمقابر وحفظ الأعضاء في الأواني الكانوبية لكي تتعرف الروح على جسدها وتعود إليه في أي وقت.


ويتم وزن قلب المتوفى في ميزان مقابل ريشة الإلهة “ماعت” التي ترمز للحق والعدل كما ورد في كتاب الموتى، إذا كان القلب خفيفًا ونقيًا غير مثقل بالذنوب تنعم الروح بالخلود والسعادة في حقول “الايارو” (الجنة المصرية)، أمًا إذا كان مثقلًا بالخطايا فيكون مصيره الفناء بواسطة كائن مخيف