أكد المستشار حسام الدين علام، عضو قضايا الدولة والمحاضر المنتدب بشعبة الشريعة والقانون بالإنجليزية بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة بجامعة الأزهر، أهمية بناء إطار وطني متكامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي الأسري، على نحو يضمن توظيفه في خدمة الحماية الأسرية دون أن يتحول إلى مدخل لانتهاك الخصوصية أو إضعاف المسؤولية التربوية أو الإخلال بحقوق الطفل ومصالحه.
جاء ذلك خلال مشاركته ببحث أكاديمي في أعمال المؤتمر العلمي الدولي السادس لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، المنعقد بالاشتراك مع كلية القانون بجامعة السلطان أجونج الإسلامية بإندونيسيا، تحت عنوان: «نحو بناء مجتمع متماسك: حماية كيان الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة»، والذي عُقد يومي الثامن عشر والتاسع عشر من أبريل سنة ألفين وستة وعشرين بمركز الأزهر للمؤتمرات بالقاهرة، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داوود رئيس جامعة الأزهر، وفضيلة الأستاذ الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، حيث عرض بحثه خلال الجلسة الأولى من اليوم الثاني للمؤتمر.
وقدم المستشار حسام الدين علام خلال الجلسة بحثًا بعنوان: «الحماية الأسرية في العصر الرقمي: دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الوقاية والدعم والتقويم: دراسة تأصيلية قانونية في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية والتشريعات الوطنية المعاصرة»، تناول فيه التحولات العميقة التي أحدثها العصر الرقمي في بنية العلاقات الأسرية، وما أفرزته تطبيقات الذكاء الاصطناعي من آثار مباشرة في أنماط التواصل، والتنشئة، والتأثير السلوكي، وإدارة الخصوصية داخل المجال الأسري. كما عرض الإشكالية الرئيسة للدراسة، والمتمثلة في بيان مدى إمكان توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الوقاية والدعم والتقويم الأسري توظيفًا منضبطًا، ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية، ويستجيب في الوقت نفسه لمقتضيات الدستور المصري والتشريعات الوطنية ذات الصلة.
وأوضح أن الدراسة انتهت، في جانبها التأصيلي، إلى أن الشريعة الإسلامية لا ترفض الوسائل التقنية المستحدثة لذاتها، وإنما تنظر إليها في ضوء مقاصدها وآثارها ومآلاتها، بما يجيز الإفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الأسري متى ظل توظيفها منضبطًا بمقاصد الحفظ والرعاية والستر ومنع الضرر، ولم يتحول إلى وسيلة للتجسس أو الإضرار أو استبدال الرعاية الإنسانية بقرار مؤتمت. كما بين أن مقاصد الشريعة ذات الصلة بهذه المسألة لا تقتصر على حفظ النسل، بل تمتد إلى حفظ الدين، والنفس، والعقل، والكرامة، والستر، بما يجعل قبول التقنية مرهونًا ببقائها في موقع الخادم للأسرة، لا المتغول على خصوصيتها أو المنازع لها في دورها التربوي.
وأضاف أن الدراسة أبرزت، في جانبها القانوني، أن الدستور المصري والتشريعات الوطنية ذات الصلة توفر أساسًا معتبرًا لحماية الأسرة في البيئة الرقمية، من خلال ما قررته من حماية للأسرة والمرأة والطفل والحياة الخاصة، إلى جانب ما تضمنته قوانين محاكم الأسرة، والطفل، ومكافحة جرائم تقنية المعلومات، وحماية البيانات الشخصية من ضمانات مهمة في هذا المجال. غير أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإطار التشريعي القائم ما يزال بحاجة إلى مزيد من التخصيص التنظيمي لمواجهة الإشكالات الدقيقة التي تثيرها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الأسري، ولا سيما ما يتعلق بالقرارات المؤتمتة، والشفافية الخوارزمية، والمراجعة البشرية الواجبة.
ونوه إلى أن البحث لم يقف عند حدود التأصيل والتحليل، بل انتقل إلى البعد العملي والمؤسسي، مبينًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في ثلاثة مجالات رئيسة تتمثل في الوقاية، والدعم، والتقويم؛ ففي مجال الوقاية يمكن الإفادة منه في التوعية الأسرية والكشف المبكر عن بعض المؤشرات السلوكية والمخاطر الرقمية، وفي مجال الدعم يمكن أن يقدم إرشادًا أوليًّا منضبطًا ويساعد الوالدين في المتابعة الرقمية الواعية للأبناء، أما في مجال التقويم فيمكن أن يسهم في تقييم فاعلية البرامج الأسرية وقياس أثر المحتوى الرقمي في الاستقرار الأسري، مع التأكيد على أن هذه الأدوار ينبغي أن تظل في حدود المساندة لا أن تتحول إلى بديل عن الأسرة أو المختص أو القضاء.
وشدد المستشار حسام الدين علام على أن من أبرز ما انتهت إليه الدراسة أن الحماية الأسرية في العصر الرقمي لم تعد مسألة وعظية أو أخلاقية مجردة، بل أصبحت التزامًا شرعيًّا وقانونيًّا ومؤسسيًّا، وأن أكبر خطر في هذا المجال يتمثل في إمكان انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة مساعدة إلى فاعل مهيمن في التوجيه والرصد والتصنيف، بما قد يفضي إلى انتهاك الخصوصية، أو إعادة إنتاج الانحيازات، أو خلق اعتماد مفرط على الحلول التقنية في مسائل تحتاج إلى تقدير إنساني مباشر. كما أكد أن الحماية الوقائية تظل أنفع من الحماية اللاحقة، وأن نجاح هذا التوظيف مرهون بقيام تكامل مؤسسي بين الأسرة، والمؤسسات الدينية، والتعليمية، والإعلامية، والتنظيمية، والقضائية.
وأشار إلى أن الدراسة أوصت بضرورة إعداد إطار وطني متخصص ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات ذات الصلة بالأسرة، مع النص على مبادئ حاكمة، في مقدمتها: الشرعية، والتناسب، والمصلحة الفضلى للطفل، وعدم الإضرار، والشفافية بقدر مناسب، والمراجعة البشرية الواجبة، وحظر المعالجة المفرطة للبيانات. كما أوصت بتعزيز الحماية القانونية للخصوصية الأسرية الرقمية، ووضع معايير أخلاقية ومهنية لتصميم التطبيقات الذكية الموجهة إلى الأسرة والطفل، وإنشاء منصات وطنية موثوقة للتوعية الأسرية، وإدماج التربية الإعلامية والرقمية في البرامج التعليمية والتوعوية، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يجب أن يظل أداة دعم أولي لا بديلًا عن المختص أو القضاء أو الرعاية الإنسانية المباشرة.
وأكد في ختام مشاركته أن المقاربة الرشيدة لا تكمن في رفض الذكاء الاصطناعي بدعوى حماية الأسرة، ولا في التسليم المطلق به بدعوى التطور، وإنما في إخضاعه لمنظومة متكاملة من مقاصد الشريعة، والضمانات الدستورية، والقيود التشريعية، والحوكمة المؤسسية، والمراجعة البشرية الواعية، بما يجعله وسيلة لخدمة الأسرة وتعزيز تماسكها، لا مدخلًا جديدًا إلى إضعافها. كما أعرب عن خالص تقديره لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة بجامعة الأزهر، مشيدًا بدورها العلمي الرصين في الجمع بين أصالة التأصيل الشرعي ورصانة النظر القانوني، وبجهود قيادتها الموقرة، والسادة أعضاء هيئة التدريس، والهيئة المعاونة، والجهاز الإداري، في الإعداد للمؤتمر وإخراجه بالصورة اللائقة بمكانة الأزهر الشريف ورسالته العلمية والحضارية.
