“حوكمة الإعلام “.. حارس بوابة الحقيقة!

أصبحت حوكمة الإعلام Media Governance من المفاهيم المحورية في الثقافة المعاصرة حول مستقبل الصحافة المتكاملة – مرئية ومسموعة و مقروءة – ودورها في المجتمعات الحديثة، لا سيما في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتصاعد ظواهر سلبية مثل التضليل والتحريض والأخبار الكاذبة ونشر الشائعات!

تشير حوكمة الإعلام إلى مجموعة المبادئ والقوانين والآليات التنظيمية التي تهدف إلى ضبط عمل وسائل الإعلام بما يضمن مسؤوليتها وشفافيتها، ويحمي استقلاليتها ومهنيتها، مع الحفاظ على حرية التعبير وخدمة المصلحة العامة.

وفي جوهرها، لا تسعى حوكمة الإعلام إلى تقييد الفضاء الإعلامي، بل إلى تنظيمه على نحو يحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية.

إن الإعلام الحر هو شرط أساسي لأي مجتمع ديمقراطي، لكن الحرية دون معايير مهنية وأخلاقية قد تتحول إلى فوضى معلوماتية تضر بالمجتمع وتفقد الإعلام دوره التنويري وأولى فوائد حوكمة الإعلام تتمثل في ضمان حرية التعبير واستقلالية المؤسسات الإعلامية.

إذ تضع الأطر التنظيمية الرشيدة حواجز قانونية ومؤسسية تحمي الإعلام من التدخلات غير المهنية و ضغوط الإعلانات التجارية وتوفر بيئة آمنة للصحفيين تمكنهم من أداء عملهم دون خوف من الترهيب أو الملاحقة، خاصة عند تناول قضايا الفساد أو الشأن العام!

كما تسهم الحوكمة في تعزيز المهنية والجودة الإعلامية من خلال وضع معايير واضحة للممارسة الصحفية، مثل الدقة، والتوازن، والتحقق من المعلومات، واحترام الرأي والرأي الآخر وتدعم هذه المعايير برامج التدريب المستمر ورفع كفاءة الكوادر الإعلامية، بما يحد من انتشار الإعلام السطحي أو المثير الذي يسعى فقط إلى جذب الإنتباه على حساب الحقيقة.

وفي زمن تتزايد فيه المعلومات المضللة، تلعب حوكمة الإعلام دورًا مهمًا في مكافحة الأخبار الكاذبة، عبر إرساء آليات للمساءلة والشفافية، وإلزام المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن مصادر التمويل ومصادر المعلومات وهذا النهج يقلل من قدرة الجهات ذات الأجندات الخفية والكتائب الاليكترونية على التلاعب بالرأي العام، ويعزز ثقافة التحقق والتدقيق التي تبني الوعي الجمعي!

وترتبط حوكمة الإعلام ارتباطًا وثيقًا بـ حماية المصلحة العامة وحقوق المواطنين بمعنى انها تضمن تغطية إعلامية متوازنة تعكس تنوع المجتمع، وتحمي حقوق الخصوصية وسمعة الأفراد من الانتهاكات الإعلامية كما توفر منصات الحوار العام، وتمكن المواطنين من الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة تساعدهم على اتخاذ قرارات واعية في الشأنين العام والخاص.

ومن النتائج الطبيعية لكل ما سبق، بناء ثقة الجمهور في وسائل الإعلام عندما يلمس المتلقي التزامًا بالمعايير المهنية والشفافية، يزداد اعتمادُه على الإعلام كمصدر موثوق للمعلومات وهذه الثقة هي الأساس الذي يمنح الإعلام قدرته على التأثير الإيجابي والقيام بدوره الرقابي بوصفه “حارس البوابة” Gate Keeper القادر على أداء وظائفه.

وتسهم حوكمة الإعلام كذلك في دعم الاستقرار الاجتماعي والديمقراطية، من خلال خفض حدة الخطاب التحريضي، وتشجيع النقاش القائم على الحقائق والاحترام المتبادل، وتعزيز التماسك الاجتماعي عبر تقديم صورة متوازنة لمختلف فئات المجتمع وقضاياه.

اقتصاديًا، تساعد الحوكمة الرشيدة على تحقيق الاستدامة لقطاع الإعلام، عبر خلق سوق منظمة وعادلة، وتشجيع تنوع الملكية ومنع الاحتكار، وجذب استثمارات جادة في بيئة إعلامية مستقرة وذات مصداقية كما تسهم في مواءمة الإعلام المحلي مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية الصحافة وحقوق الإنسان.

ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، إذ يجب أن تُمارس حوكمة الإعلام بحذر شديد حتى لا تتحول إلى أداة للرقابة أو كبح حرية التعبير ويكمن الحل في إشراك جميع الأطراف المعنية — من حكومات ومؤسسات إعلامية وصحفيين ومجتمع مدني — في صياغة الأطر التنظيمية، وضمان استقلالية الهيئات الإعلامية المكفولة في الدستور ، وتحقيق توازن دقيق بين التنظيم الذاتي والتنظيم الخارجي وفي اعتقادي أن إعلام ماسبيرو ( اعلام الخدمة العامة) هو المنوط به أن يحتل مقعد الريادة لتحقيق كل ما تقدم لما يمتلكه من تنظيم وتقاليد راسخة!

خلاصة القول إن حوكمة الإعلام ليست قيدًا بقدر ما هي إطار تمكيني، هدفه بناء بيئة إعلامية حرة ومسؤولة ومزدهرة، قادرة على خدمة المصلحة العامة، وتعزيز الوعي المجتمعي، ودعم مسار التنمية والديمقراطية!