انتاج الأخبار والرقمنة!

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

يرتبط اليوم انتاج الأخبار بمصطلح “غرف الأخبار الرقمية” (Digital News Rooms) الذي يشير إلى إدارة المحتوى الإخباري باستخدام التقنيات الرقمية بالكامل.

وقد واكب هذا التطور التحول من الصحافة التقليدية (الورقية والاذاعية والتلفزيونية) إلى الصحافة الرقمية (عبر منصات متعددة) وظهر على الساحة ما يعرف ب الإعلام المدمج Integrated Media.

ودعونا نتعرف أولا في عجالة على خصائص غرف الأخبار الرقمية الحديثة :

كانت غرفة الأخبار قديما في الإذاعة والتلفزيون والصحف تعتمد على مصدر الخبر والمحرر حتى نصل إلى مرحلة الطباعة أو البث الإذاعي و التليفزيوني!

أما حديثا يرسل مصدر الخبر إلى المحرر الذي يسلمه إلى تقنية تعالجه رقميا مثل الذكاء الاصطناعي AI حيث يتم تطويره ونشره على عدة منصات، نصا مكتوبا وفيديو مصورا وصوتا مذاعا ثم يقاس التفاعل من خلال رد فعل الجمهور اللحظي!

ويعد الخبر للنشر الرقمي نصا أولاً عبر (الموقع أو التطبيق باعتباره المنصة الأساسية ) ويتم تحريره تلفزيونيا واذاعيا ثم يجري الانتقال من المنصة الواحدة إلى المنصات المتعددة وينتجه فريق واحد حتى نصبح أمام محتوى قابلاً للتكيف مع منصات مختلفة متخصصة وعلى سبيل المثال المقال التحليلي والفيديوهات القصيرة لوسائل التواصل الاجتماعي مثل (تيك توك، انستغرام، يوتيوب)، موجزات صوتية (بودكاست)، رسائل إخبارية في شكل متدفق!

بعبارة أخرى تعمل غرفة الأخبار الحديثة على التكامل بين الوسائط عن طريق دمج (النص، الفيديو، الصوت، وتقارير المعلومات الإنفوجراف ) ويقوم بها فريق عمل واحد، بحيث يمكن للمحرر أن يصبح “صحفياً متعدد المهارات” (one man unit Journalist) قادراً على كتابة النص وتصوير مقطع فيديو وتحريره ثم الاعتماد على تحليل البيانات باستخدام تقنيات قياس وتقييم الأداء لتحسين المحتوى أولا بأول وصولا إلى ما يسمى السرعة والتفاعلية المعروفة بالقدرة على نشر الأخبار العاجلة فوراً والتفاعل المباشر مع الجمهور عبر التعليقات ووسائل التواصل الاجتماعي!

مثال إذا وقع حدث ما في منطقة معينة يصل إلى صالة تحرير الأخبار من موقع الحدث تدفق إخباري من الفيديوهات من مصادر متعددة والاخبار النصية حيث تتم المعالجة التحريرية المحترفة للخبر قبل بثه أو نشره آليا بواسطة استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بصياغة تقارير من البيانات المتوفرة عن الحدث ويمكنه ترجمة المحتوى، وتحليل ردود فعل الجمهور!

وتواجه غرف الأخبار الرقمية تحديات منها تسرب المعلومات غير الدقيقة نتيجة صعوبة التحقق من الأخبار بسبب الحرص على السرعة.

وتواجه صعوبة تحقيق الدخل من المحتوى الرقمي في ظل هيمنة المنصات الكبيرة مثل “فيسبوك” و”جوجل” على عائدات الإعلانات المنشورة في شبكات التواصل الاجتماعي ما يكثف الطلب الدائم على المحتوى السريع والمتعدد المنصات على مدار الساعة وهو أمر لا يستطيع أن يقوم به المحرر بمفرده ولهذا عليه أن يوظف تقنيات تقوم بالفرز والاختيار والترتيب والتحرير بينما يراقب هو فقط ما نسميه القيم التحريرية والأخلاقيات المهنية مثل الحفاظ على الدقة والموضوعية في بيئة تفضل الإثارة وجذب الانتباه أو ما يعرف بالترند!

ومن المتوقع انتشار غرف الأخبار الرقمية في المستقبل القريب التي توفر التخصص الفائق الذي يقدم محتوى خاص لكل مستخدم بناءً على اهتماماته وسلوكه وسوف تعتمد نشرة الأخبار على المزج بين
استخدام الواقعين الافتراضي والمعزز في عرض القصص الإخبارية وبالتالي توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها.

واهم غرف الأخبار الرقمية الموجودة حاليا هي BBC News (وخاصة قسم “BBC News Labs” للتجريب)،و Reuters (مركز التحرير الرقمي)،و The New York Times والجزيرة نت !

باختصار، غرف الأخبار الرقمية هي محرك التحول في عالم الصحافة اليوم، حيث تجمع بين سرعة التكنولوجيا وأدواتها وقيم الصحافة التقليدية من تحقق ودقة، في محاولة للتكيف مع عادات الجمهور وضمان استمرارية مهنة الصحافة في العصر الرقمي.