الدكتور/ عمرو الغفاري
دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي بجامعة عين شمس
مدير تقنية المعلومات والتدريب اتحاد الصناعات وزارة الصناعة المصرية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مادة دسمة لروايات الخيال العلمي، بل تحول إلى واقع ملموس نلمسه بأيدينا ونراه بأعيننا في مختلف مجالات الحياة. هذا العلم، الذي انتقل من الأروقة النظرية إلى التطبيق الفعلي، يهدف في جوهره إلى إنشاء آلات تحاكي القدرات الذهنية البشرية، وتحديداً في ثلاث ركائز: التعلم، حل المشكلات، والإدراك.
ما وراء المصطلح: ذكاء “ضيق” وآخر “عام”
يُصنف الخبراء الذكاء الاصطناعي إلى مسارين أساسيين لتوضيح قدراته:
• الذكاء الاصطناعي الضيق (ANI): وهو ما يحيط بنا اليوم، ويتميز بتخصصه في مهمة واحدة محددة، مثل تقنيات التعرف على الوجوه أو ممارسة ألعاب معقدة كالشطرنج والسوليتير.
• الذكاء الاصطناعي العام (AGI): وهو الطموح الأكبر الذي يسعى لمحاكاة خوارزميات العقل البشري، حيث تمتلك الآلة القدرة على فهم وتعلم أي مهمة فكرية تماماً كالإنسان.
ومن هنا ظهرت مفاهيم متقدمة مثل “التعلم العميق” (Deep Learning) و”تعلم الآلة” (Machine Learning) التي تتيح للأنظمة التطور من خلال مخازن البيانات المتوفرة لها.
الجدول الزمني: رحلة بدأت بسؤال “هل تفكر الآلة؟”
تاريخ هذا العلم ليس وليد اللحظة، بل مرّ بمحطات دراماتيكية
- عصر التأسيس (الخمسينيات): كانت البداية مع “آلة تورينج” وتساؤلها الجوهري: “هل تستطيع الآلة أن تفكر؟”.
وفي عام 1956، شهد مؤتمر “دارتموث” الصياغة الأكاديمية الأولى لمفهوم الذكاء الاصطناعي.
- شتاء الذكاء الاصطناعي (AI Winter): فترة من الخمول والركود غاب فيها الاهتمام والتطبيق الحقيقي، حيث ظن الكثيرون أن محاكاة التفكير البشري مستحيلة.
- نقطة التحول (1997): صدم العالم بجهاز الكمبيوتر “ديب بلو” (Deep Blue) الذي استطاع هزيمة بطل العالم في الشطرنج “كاسباروف”، مما أعاد الزخم لهذا العلم.
الركائز الثلاث.. كيف يعمل هذا المحرك؟
لكي ينمو الذكاء الاصطناعي ويفرض سيطرته، فإنه يستند إلى ثلاث دعائم تقنية.
• البيانات الضخمة (Big Data): وهي بمثابة الوقود الذي يغذي النماذج الذكية للتعلم.
• القوة الحاسوبية: متمثلة في المعالجات المتطورة (GPUs) ووحدات التخزين ذات القدرة العالية على المعالجة.
• الخوارزميات والشبكات العصبية: وهي الهيكل التنظيمي الذي يحاكي الخلايا العصبية البشرية لحل المشكلات الصعبة.
وتعتبر لغة “بايثون” هي المهيمنة في بناء هذه الأنظمة، خاصة مع أدوات متقدمة مثل “TensorFlow” التي تتيح للمطورين بناء نماذج ذكية ومعقدة.
تطبيقات تسيطر على واقعنا
تتعدد بصمات الذكاء الاصطناعي في حياتنا المعاصرة، لتشمل
• المساعدات الشخصية: مثل “سيري” و”أليكسا” لفهم الأوامر الصوتية.
• التوصيات الذكية: في منصات “نتفليكس” و”سبوتيفاي” التي تقترح المحتوى بناءً على اهتمامات المستخدم.
• الرعاية الصحية والتمويل: لتحسين التشخيص وكشف عمليات الاحتيال البنكية في أجزاء من الثانية.
• المركبات ذاتية القيادة: التي تمثل طفرة في قطاع النقل.
• الذكاء الاصطناعي التوليدي: مثل Chat GPT وGemini، القادر على ابتكار النصوص والصور والأفكار
التحديات الأخلاقية وهاجس الوظائف
مع هذا التطور الهائل، يبرز حوار مجتمعي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، لاسيما في جانبين
- الخصوصية والتحيز: كيف نضمن عدالة الخوارزميات؟ وكيف نحمي بياناتنا التي تُجمع عبر “الكوكيز” وتُباع للموردين دون تدخل مباشر منا؟
- مستقبل الوظائف: السؤال الذي يؤرق الملايين: “هل سيحل الذكاء الاصطناعي محلي كموظف؟”. ويؤكد الخبراء أن الحل يكمن في تطوير مهارات الموظف لمواكبة هذا التطور وضمان بقاء التكنولوجيا في خدمة الإنسان وتحت سيطرته.
نظرة نحو الغد
يتجه المستقبل نحو “التخصيص الفائق” (Hyper-personalization) في مجالات التعليم والصحة، بالإضافة إلى “الأتمتة الذكية” التي ستتولى مهامنا اليومية الروتينية. إن فهمنا لهذا العلم هو الخطوة الأولى لتشكيل المستقبل، فالمستقبل ليس شيئاً يحدث لنا، بل هو شيء نصنعه بالتعلم المستمر والفضول.
من هنا: يمكن فهم بنية الذكاء الاصطناعي من خلال تشبيه الطبقات؛ فالمستخدم يرى فقط الواجهة الظاهرية (التطبيق)، بينما في الأعماق يكمن “التعلم العميق” كجذور للشجرة، يعلوه “تعلم الآلة” كجذع يعالج البيانات، ليصل في النهاية إلى “الذكاء الاصطناعي” كأغصان وثمار يتفاعل معها البشر.
